ابن أبي الحديد
143
شرح نهج البلاغة
قال : لما اشتدت الحرب علينا وعليهم وأكلت منا ومنهم ، عادوا إلى ما كنا سألناهم ابتداء ، وضرعوا إلينا في رفع الحرب ، ورفعوا المصاحف يسألون النزول على حكمها ، وإغماد السيف ، فأجبناهم إلى ذلك . قوله : " وسارعناهم إلى ما طلبوا " كلمة فصيحة ، وهي تعدية الفعل اللازم ، كأنها لما كانت في معنى المسابقة ، والمسابقة متعدية عدى المسارعة . قوله : " حتى استبانت " ، يقول : استمررنا على كف الحرب ووضعها ، إجابة لسؤالهم ، إلى أن استبانت عليهم حجتنا ، وبطلت معاذيرهم وشبهتهم في الحرب وشق العصا ، فمن تم منهم على ذلك ، أي على انقياده إلى الحق بعد ظهوره له ، فذاك الذي خلصه الله من الهلاك وعذاب الآخرة ومن لج منهم على ذلك وتمادى في ضلاله فهو الراكس ، قال قوم : الراكس هنا بمعنى المركوس ، فهو مقلوب فاعل بمعنى مفعول ، كقوله تعالى : " فهو في عيشة راضية ) ( 1 ) أي مرضية ، وعندي أن اللفظة على بابها ، يعنى أن من لج فقد ركس نفسه ، فهو الراكس ، وهو المركوس ، يقال : ركسه وأركسه بمعنى ، والكتاب العزيز جاء بالهمز فقال : ( والله أركسهم بما كسبوا ) ( 2 ) ، أي ردهم إلى كفرهم ( 3 ) ، ويقول : ارتكس فلان في أمر كان نجا منه ، وران على قلبه ، أي ران هو على قلبه ، كما قلنا في الراكس ، ولا يجوز أن يكون الفاعل - وهو الله - محذوفا ، لان الفاعل لا يحذف ، بل يجوز أن يكون الفاعل كالمحذوف ، وليس بمحذوف ، ويكون المصدر وهو الرين ، ودل الفعل عليه كقوله تعالى : ( ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ) ( 4 ) أي بدا لهم البداء . وران بمعنى غلب وغطى ، وروى " فهو الراكس الذي رين على قلبه " .
--> ( 1 ) القارعة 7 . ( 2 ) سورة النساء 88 . ( 3 ) في د " كيدهم " . ( 4 ) سورة يوسف 35